بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين؛ أما بعد:

               قديما كان البيان عند العرب وعند اليونان، ومازال حتى الآن في الغرب المتمدن، بلاغة وأسلوبا يرفع الناس في أعين الناس والمجتمع درجات ودرجات؛ ويتيح لصاحبه الفرص ويفتح له بوابات الرزق والشهرة على مصراعيها فكم من شاعر أثرى بشعره، وكم من زعيم اكتسب الأتباع بلسانه، وكم من واحد ارتقى في المناصب العالية بفضل كلامه وكتاباته، فالكتاب والشعراء واللغويون قديما وحديثا في المجتمعات المتحضرة لا يجزعون ولا يجوعون ولا يشكون بطالة، ولا يطلبون غير التفرغ للكتابة أو التعليم، فالمنفلوطي وطه حسين والعقاد لم يكن لهم رأس مال يستثمرونه سوى الكتابة التي لها طعم كطعم العسل ونفع كنفع العسل، فتهافت الناشرون عليهم لمّا اكتشفوهم وقدموهم للناس كما تقدم السلعة العالية الجودة فأفادوا واستفادوا بفضل أقلامهم الذهبية التي أقنعت مستمعيهم بما في كلامهم والأمر كذلك ينسحب على أصحاب الجدل والحوار الذين كان دوما مقصدهم إثناء الطرف الآخر عن رأيه بإقناعه بالحجج والبراهين المبطنة في كلامهم وعباراتهم المخاطب بها غيرهم.

نحن اليوم نقوم بممارسات لغوية متنوعة ومطردة؛ إننا نتكلم في يقظتنا ونومنا، ونحن نستعمل التعبير الكتابي والشفهي في التعليم والإعلام والدين والثقافة والفن والسياسة والرياضة والإشهار ووو...، وأغلب هذه الممارسات لا تحقق الهدف المنشود ولا تقترب منه فيترك انطباعا سيئا أو أثرا باردا بسبب عدم النضج التعبيري لدى المتكلم أو الكاتب.

والذي يهمنا أكثر هنا هو كيف يمكننا الاستفادة من أساليب التعبير المختلفة حين إيراد الحجج عند الحوار وكذا كيفية ترتيبها في عبارات مقنعة بحجة واضحة وبالغة تقنع السامع بأفكار الملقي؛ وهذا الذي ننشده للتأثير في خطاب كل من رجال الإعلام ورجال الدين والسياسة والحقوقيون والإدارات الرسمية في وقت قل فيه الاستماع للآخر؛ لعدم وضوح كلام الملقي ووصوله إلى درجة بإمكانه إقناع المتلقي لكلامه؛ مما ينجر عنه سوء تفاهم مفضي في الكثير من الأحيان إلى شحناء وتدابر في المجتمع الواحد وإلى عواقب وخيمة سببها إما سوء التلقي أو سوء الإلقاء.